الشوكاني
203
فتح القدير
ولد آدم ( أن اتبع ملة إبراهيم ) وأصل الملة اسم لما شرعه الله لعباده على لسان نبي من أنبيائه ، قيل والمراد هنا اتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لملة إبراهيم في التوحيد والدعوة إليه . وقال ابن جرير : في التبري من الأوثان والتدين بدين الإسلام ، وقيل في مناسك الحج ، وقيل في الأصول دون الفروع ، وقيل في جميع شريعته إلا ما نسخ منها ، وهذا هو الظاهر . وقد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالاقتداء بالأنبياء مع كونه سيدهم فقال تعالى - فبهداهم اقتده - . وانتصاب ( حنيفا ) على الحال من إبراهيم ، وجاز مجئ الحال منه ، لأن الملة كالجزء منه ، وقد تقرر في علم النحو أن الحال من المضاف إليه جائز إذا كان يقتضى المضاف العمل في المضاف إليه أو كان جزءا منه أو كالجزء ( وما كان من المشركين ) وهو تكرير لما سبق للنكتة التي ذكرناها ( إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ) أي إنما جعل وبال السبت وهو المسخ على الذين اختلفوا فيه . أو إنما جعل فرض تعظيم السبت وترك الصيد فيه على الذين اختلفوا فيه لا على غيرهم من الأمم . وقد اختلف العلماء في كيفية الاختلاف الكائن بينهم في السبت ، فقالت طائفة : إن موسى أمرهم بيوم الجمعة وعينه لهم وأخبرهم بفضيلته على غيره ، فخالفوه وقالوا إن السبت أفضل ، فقال الله له : دعهم وما اختاروا لأنفسهم . وقيل إن الله سبحانه أمرهم بتعظيم يوم في الأسبوع ، فاختلف اجتهادهم فيه ، فعينت اليهود السبت لأن الله سبحانه فرغ فيه من الخلق ، وعينت النصارى يوم الأحد لأن الله بدأ فيه الخلق ، فألزم الله كلا منهم ما أدى إليه اجتهاده . وعين لهذه الأمة الجمعة من غير أن يكلهم إلى اجتهادهم فضلا منه ونعمة . ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها أن اليهود كانوا يزعمون أن السبت من شرائع إبراهيم ، فأخبر الله سبحانه أنه إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ولم يجعله على إبراهيم ولا على غيره ( وإن ربك ليحكم بينهم ) أي بين المختلفين فيه ( يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) فيجازى كلا فيه بما يستحقه ثوابا وعقابا ، كما وقع منه سبحانه من المسخ لطائفة منهم والتنجية لأخرى ، ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يدعو أمته إلى الإسلام فقال ( ادع إلى سبيل ربك ) وحذف المفعول للتعميم لكونه بعث إلى الناس كافة ، وسبيل الله هو الإسلام ( بالحكمة ) أي بالمقالة المحكمة الصحيحة ، قيل وهى الحجج القطعية المفيدة لليقين ( والموعظة الحسنة ) وهى المقالة المشتملة على الموعظة الحسنة التي يستحسنها السامع وتكون في نفسها حسنة باعتبار انتفاع السامع بها . قيل وهى الحجج الظنية الاقناعية الموجبة للتصديق بمقدمات مقبولة ، قيل وليس للدعوة إلا هاتان الطريقتان ، ولكن الداعي قد يحتاج مع الخصم الألد إلى استعمال المعارضة والمناقضة ونحو ذلك من الجدل ، ولهذا قال سبحانه ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) أي بالطريق التي هي أحسن طرق المجادلة ، وإنما أمر سبحانه بالمجادلة الحسنة لكون الداعي محقا وغرضه صحيحا . وكان خصمه مبطلا وغرضه فاسدا ( إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ) لما حث سبحانه على الدعوة بالطرق المذكورة بين أن الرشد والهداية ليس إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنما ذلك إليه تعالى فقال ( إن ربك هو أعلم ) أي هو العالم بمن يضل ومن يهتدى ( وهو أعلم بالمهتدين ) أي بمن يبصر الحق فيقصده غير متعنت ، وإنما شرع لك الدعوة وأمرك بها قطعا للمعذرة وتتميما للحجة وإزاحة للشبهة . وليس عليك غير ذلك ، ثم لما كانت الدعوة تتضمن تكليف المدعوين بالرجوع إلى الحق فإن أبوا قوتلوا ، أمر الداعي بأن يعدل في العقوبة فقال ( وإن عاقبتم ) أي أردتم المعاقبة ( فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ) أي بمثل ما فعل بكم لا تجاوزوا ذلك . قال ابن جرير : أنزلت هذه الآية فيمن أصيب بظلامة أن لا ينال من ظالمه إذا تمكن إلا مثل ظلامته لا يتعداها إلى غيرها . وهذا صواب . لأن الآية وإن قيل إن لها سببا خاصا كما سيأتي ، فالاعتبار بعموم اللفظ ، وعمومه يؤدي هذا المعنى الذي ذكره ، وسمى سبحانه الفعل الأول الذي هو فعل البادئ